عبد الملك الجويني

39

نهاية المطلب في دراية المذهب

فإن حكمنا بأن الخيار يثبت لهما ، فلو صرَّحا بنفي الخيارِ عن أنفسِهما ، وخَصَّصا الخيارَ بالثالث ، فَفي صحة هذا الشرط وجهان : أحدهما - يصح اتباعاً للشرط . والثاني - لا يصح . وحقيقةُ الوجهين ترجع إلى أن من حكم بثبوت الخيار للعاقدين فهو بماذا ؟ فكان من أصحابنا من يقول : سبب ثبوت الخيار لهما أن شرطَهما الخيارَ لثالث يقتضي من حيث اللفظ أن يثبت لهُما . فمن قال ذلك بنى عليه أنهما لو صرَّحا بالنفي عن أنفسهما ، انتفى عنهما . ومن أصحابنا من قالَ : سبب ثبوت الخيار للمتعاقدَيْن استحالةُ ثبوته لمن ليس عاقداً ، إلا على طريق النيابة ، فعلى هذا الجمع بين إثبات الخيار للغَيرِ ونفيه عن المتعاقدين فاسدٌ . ولا خلاف أنهما لو شَرَطا الخيارَ لأحدِ المتعاقِدَين ثبتَ له مختصّاً به ، وانتفى عن الثاني . قال صاحب التلخيص : لو كان المبيع عبداً ، فشرط المتعاقدانِ الخيارَ له ، ففوَّضا إليه الفسخَ والإجازة ، جاز . وكان تفويضُ الخيار إليه بمثابة تفويضه إلى أجنبي ، وقد ساعده الأصحاب على ما قالَ . فرع : 2909 - إذا وكل رجل وكيلاً في بيع ، وأذنَ له في اشتراطِ الخيار ، فاشترَط على حسب أمره ، ثبت الخيار له ، واختلفَ أئمتنا في أن الخيارَ الثابتَ لمن ؟ فمنهم من قالَ : هو للموكِّل ، كما أن الملك في العوض له ، والخيار من حقوق الملك والعقد . والوجه الثاني - أن الخيار للوكيل ؛ فإنه المتعاطي للعقد ، والوجه الثالث - أن الخيار ثابتٌ لهما جميعاً ، فيثبت للوكيل لتوليه العقد ، ويثبت للموكِّل لأن مقصود العقد إليه يؤول . وإذا شرط المتعاقدان الخيارَ لثالث ، فلا يجري فيه إلا وجهان ، كما تقدمَ ذكرُهما ، ولا يخرج فيه أن الخيار لهما ، ولا خيار للثالث . وقد ذكرنا وجهاً أن الخيار للموكّل ولا خيار للوكيل ، ثم إذا أثبتنا الخيار للموكل وحده ، أو للوكيل والموكل جميعاً ، فإنما ذاك في خيار الشرط ، فأمّا خيارُ المجلس ، فإنه يتعلق بالوكيل ، وينتهي بمفارقته المجلس . ويجب القطع بأنه لا ينفذ فسخُ الموكِّل وإجازتُه ؛ فإنه لا تعلق له بالمجلس . وخيار المجلس إنما يثبت لمن يتعلق به المجلس ، وينقطع بفراقِه . وهذا